منظمة الصحة العالمية / ميخائيل غريغوريف
© الصورة

الخيارات الرقمية تشكل صحّة أطفالنا

بقلم إيمانويل ماكرون وتيدروس أدحانوم غيبريسوس

1 تموز/يوليو 2026
وقت القراءة

نشر هذا التعليق لأول مرة مشروع سينديكيت يوم 1 تموز/ يوليو 2026 

إن البيئات الرقمية، سواء كانت وسائل تواصل اجتماعي أم ألعاباً إلكترونية أم نظم ذكاء اصطناعي توليدي، هي محددات راسخة لصحّة الناس، وهو ما ينطبق بوجه خاص على الأطفال والشباب. ويجري الآن في جميع أنحاء العالم إعادة برمجة مرحلة الطفولة بواسطة تكنولوجيات رقمية تشكل سبل تعلم الشباب ولعبهم وتواصلهم مع الآخرين.

ولا تتمثل مهمتنا هنا في الاحتفاء بالتكنولوجيا أو إدانتها، بل في مواجهة حقيقة بسيطة مؤداها: أن بيئتنا الرقمية لا تَعِدُ بجني فوائد جمة فحسب، بل تشكل أيضاً مخاطر جسيمة على صحّة الأطفال ونمائهم. ومن مسؤوليتنا أن نعظم تلك الفوائد ونعمل في الوقت نفسه على منع المخاطر المحيقة بهم. ولعلّ الأوان لم يفت بعدُ لاتخاذ ما يلزم من إجراءات، ولكنه فات فعلاً للتدرج في إدخال تعديلات طفيفة في هذا الصدد.

ويمكن أن تسهم الأدوات الرقمية في زيادة الفرص المتاحة عن طريق دعم سبل التعلّم والتواصل وإتاحة الخدمات الصحّية، وخصوصاً بالنسبة للأطفال في المناطق النائية أو المتضررة من الأزمات. كما توفر المساحات الإلكترونية للعديد من الشباب بيئة لإظهار قدراتهم في مجال الإبداع والتواصل والانتماء، وخاصة للمعرّضين منهم للإقصاء في عالم الواقع.

ولكن هذه الفوائد ليست مضمونة؛ لأنها مرهونة بشكل كبير بسبل الإتاحة وتصميم التقنيات ومصالح من تخدمهم.

وتدرك الحكومات بشكل متزايد أن حماية الأطفال على الإنترنت ضرورة ملحة من ضرورات الصحّة العامّة. فقد طبّقت أستراليا أول شرط في العالم يمنع منصّات التواصل الاجتماعي من منح الأطفال دون سن 16 عاماً حق امتلاك حسابات خاصة فيها، بينما تعكف فرنسا على إحراز تقدم في ميدان حظر إتاحة وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عاماً. كما حظرت إندونيسيا إتاحتها للأطفال دون سن 16 عاماً، وأعلنت إسبانيا عن خططٍ بشأن القيام بذلك، بينما تعمل أيرلندا مع شركاء في الاتحاد الأوروبي على وضع قيود بشأن تحديد عمر المستخدمين ونظم تكفل التحقق من العمر تركز على حماية من هم دون سن 16 عاماً.

وأعلنت كذلك المملكة المتحدة في الآونة الأخيرة عن خطط بشأن حظر منصّات التواصل الاجتماعي من تقديم خدماتها لمن هم دون سن 16 عاماً، جنباً إلى جنب مع اتخاذ إجراءات وقائية إضافية، مثل فرض قيود على خدمات البث المباشر وإجراء اتصالات مع الغرباء. كما سنّت كندا تشريعاً يفرض قيوداً على إتاحة وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عاماً، واشترطت في الوقت نفسه تعزيز إجراءات الحماية التي تكفل السلامة بفضل التصميم ومساءلة المنصّات.

وتعكس هذه الإجراءات مجتمعة إجماع العالم بشكل متزايد على ضرورة إدارة البيئات الرقمية بفعالية، وتصميمها بما يناسب الفئات العمرية الموجهة إليها، وتعزيز الإجراءات الوقائية لحماية صحّة الطفل. وتؤيد منظّمة الصحّة العالميّة (المنظّمة) هذا التوجه بفضل تعزيز البحوث اللازمة لتكوين فهم أعمق لأثر تكنولوجيات الحاضر والمستقبل، وإسداء المشورة التقنية إلى البلدان، وتعزيز إقامة بيئات صحّية رقمية مأمونة ومنصفة.

ويلزم إيجاد حلول لأن البيئات الرقمية ليست محايدة، فطريقة تصميمها وإدارتها واستثمارها تسهم في تشكيل جوانب كثيرة من حياتنا، وخصوصاً صحّتنا.

ويسهم مثلاً التعرّض المتكرر للمحتوى النمطي أو الجنسي أو العنيف أو المؤيد للتمييز في كيفية فهم الأطفال لأنفسهم وللعالم من حولهم. وتعمل الخوارزميات بشكل متزايد على تنقيح المعلومات الصحّية لزيادة الانتباه بدلاً من الدقة، ممّا يتيح المجال أمام نشر الادعاءات المضللة. كما تتسبب عملية جمع البيانات الشخصية واستخدامها، وخاصة لأغراض التنميط والتسويق المحدد الأهداف، في إثارة مخاوف بشأن الخصوصية والتلاعب وتقويض العافية.

وتُوجد البيّنات الحالية علاقة سببية بين الإفراط في التعرّض للوسائل الرقمية والمعاناة من مشاكل مثل القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وزيادة الشعور بالعدوانية، وفي الحالات الأخطر، حالات الانتحار، وخصوصاً فيما بين المراهقين المُعرّضين للخطر. وقد يسهم التسويق الرقمي على المنصّات الإلكترونية في الترويج لتسويق منتجات ضارة على الناس، مثل التبغ والكحول ومنصّات لعب القمار.

ويمكن أيضاً أن تسهم وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب واستخدام الذكاء الاصطناعي في تفاقم الشعور بالوحدة وإلغاء العلاقات الواقعية. كما يسهم استخدام هذه الوسائل لفترات طويلة في زيادة سلوكيات الخمول وقلة النوم، وهما عاملان معروفان من عوامل خطر الإصابة بالأمراض غير السارية.

ويوجد أيضاً زيادة مطردة في معدلات الاستغلال والانتهاك الجنسيين عبر الإنترنت على صعيد العالم، يقابلها ارتفاع حاد في نشر المواد المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، والصور المسيئة المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، والمحتوى المُزيف بشكل فظيع بشأن الجنس أو التنمر، وهي تخلف عواقب وخيمة ودائمة على الصحّة النفسية والثقة والسلامة.

وتزيد الممارسات التجارية هذه المخاطر كلها. فهناك منصّات كثيرة مُصمّمة لزيادة التفاعل إلى أقصى حد من دون توفير حماية كافية من التعرّض للمحتوى الضار أو الميزات التي تحمي صحّة الأطفال البدنية والنفسية بقدر كاف.

ومن الضروري جداً تقليل معدلات التعرّض للمحتوى غير القانوني أو المتطرف والإباحي. ولكن عافية الأطفال تتطلب تأمين سبل لا تقتصر على إلغاء الضرر، لأنها مرهونة بإقامة علاقات مستقرة، وتعيين حدود مناسبة، وممارسة النشاط البدني، وإتاحة فرص التواصل الاجتماعي مع الآخرين في العالم الحقيقي. وتتضاعف مخاطر البيئات الرقمية في الحالات التي تسهم بها في تعطيل التنمية الصحّية – عوضاً عن دعمها.

أمّا الذكاء الاصطناعي التوليدي فهو عامل رئيسي مضاعف لكل من المخاطر المحيقة بعافية الطفل والفرص المتاحة لصونها. فعند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي المُصمّمة خصيصاً لأجل أغراض محددة استخداماً مسؤولاً، فإنها قد تقدم الدعم في مجال إتاحة فرص التعليم وتسهيل سبل الإتاحة وصون الصحّة. ولكن أثرها الطويل الأمد على توقعات الأطفال من العلاقات أو الشعور بالتعاطف أو الانضباط الذاتي ما زال غير واضح. وطالما ظل هذا الأمر صحيحاً، فإن اتباع نهج وقائي لا يناهض الابتكار بل يدعم الطفل.

ويشكل تحقيق التوازن في الميدان الرقمي جزءاً من الحل. فمع أن البيئات الرقمية تتطلب تنظيماً وشفافية وتصميماً مناسباً لمختلف الفئات العمرية وتعزيز الميزات المتعلقة بالسلامة والثقة والمساءلة، فإن البيّنات المتوفرة يجب أن تواكب مسيرة التطور التكنولوجي، ممّا يستلزم إجراء بحوث طويلة الأجل ومستقلة تتناول مختلف مستويات الدخل والمناطق.

والأهم من ذلك كله، يجب أن نصغي إلى آراء شباب اليوم، لأنهم قادرون، بوصفهم مستخدمين فاعلين للتكنولوجيا، على الإسهام في تطوير البيئات الرقمية بشكل مسؤول. ويشكل الآن العالمان الواقعي والافتراضي مساحة واحدة يمكن فيها أن تسهم الأدوات الرقمية في تحقيق النمو السليم، أو أن تعيقه. وينبغي أن يحرص الشباب على تبادل خبراتهم الشخصية المستمدة من واقع الحياة للمساعدة في وضع ضوابط مناسبة في هذا الصدد. كما يجب أن يسهم الوالدان والقائمون على الرعاية والمدارس والمجتمعات في هذا الحوار.

وتستلزم هذه العملية تعاوناً مستمراً بين الحكومات ودوائر الصناعة وفئات المجتمع المدني ومؤسسات الصحّة العامّة، على أن يستند هذا التعاون إلى التزام مشترك بتعظيم الفوائد المجنية وتقليل الأضرار إلى أدنى حد. كما لا يُستغنى عن زيادة الشفافية وتبادل البيانات وخيارات التصميم المعززة للصحّة ودعم المؤسسات لمعايير السلامة الفعّالة، وخصوصاً بالنسبة للقصر. ويمكن أن تؤدي المنظّمة دوراً محورياً في هذا المضمار وتحدث أثراً في مجال وضع القواعد والمعايير.

فأطفالنا وشبابنا ليسوا فئران تجارب، ولا سوقاً مستغلة، ولا سلعة رخيصة. وبإمكاننا معاً تشكيل بيئات رقمية تحمي نماءهم السليم وتدعمه، وعلينا أن نقوم بذلك، لأن الخيارات التي نتخذها اليوم ستتردد أصداءها عبر الأجيال القادمة. 

إيمانويل ماكرون، رئيس فرنسا، وتيدروس أدحانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظّمة الصحّة العالميّة.